أحمد بن محمد المقري التلمساني
56
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ونقش صورتها على الباب ، فلما قعدت الزهراء في مجلسها نظرت إلى بياض المدينة وحسنها في حجر ذلك الجبل الأسود ، فقالت : يا سيدي ، ألا ترى إلى حسن هذه الجارية الحسناء في حجر ذلك الزنجي ، فأمر بزوال ذلك الجبل ، فقال بعض جلسائه : أعيذ أمير المؤمنين أن يخطر له ما يشين العقل سماعه ، لو اجتمع الخلق ما أزالوه حفرا ولا قطعا ، ولا يزيله إلّا من خلقه ، فأمر بقطع شجره وغرسه تينا ولوزا ، ولم يكن منظر أحسن منها ، ولا سيما في زمان الأزهار وتفتح الأشجار « 1 » وهي بين الجبل والسهل ، انتهى ببعض اختصار . وقال ابن خلكان في ترجمة المعتمد بن عباد ما صورته : الزهراء - بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الراء ، وبعدها همزة ممدودة « 2 » - وهي من عجائب أبنية الدنيا ، وأنشأها أبو المظفر « 3 » عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه الملقب بالناصر ، أحد ملوك بني أمية بالأندلس ، بالقرب من قرطبة ، في أول سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ، ومسافة ما بينهما أربعة أميال وثلثا ميل ، وطول الزهراء من الشرق إلى الغرب ألفان وسبعمائة ذراع ، وعرضها من القبلة إلى الجنوب ألف وخمسمائة ذراع ، وعدد السواري التي فيها أربعة آلاف سارية وثلاثمائة سارية « 4 » وعدد أبوابها يزيد على خمسة عشر ألف باب ، وكان الناصر يقسم جباية البلاد أثلاثا : فثلث للجند ، وثلث مدخر ، وثلث ينفقه على عمارة الزهراء ، وكانت جباية الأندلس يومئذ « 5 » خمسة آلاف ألف دينار وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار ، ومن الستوق والمستخلصة « 6 » سبعمائة ألف دينار وخمسة وستون ألف دينار ، هي من أهول ما بناه الإنس ، وأجلّه خطرا ، وأعظمه شأنا ، ذكر ذلك كله ابن بشكوال في تاريخ الأندلس ، انتهى كلامه . وحكى في المطمح « 7 » أن الوزير الكبير الشهير أبا الحزم بن جهور قال وقد وقف على قصور الأمويين التي تقوّضت أبنيتها ، وعوّضت من أنيسها بالوحش أفنيتها : [ الخفيف ] قلت يوما لدار قوم تفانوا : * أين سكّانك العزاز علينا ؟ فأجابت : هنا أقاموا قليلا ، * ثمّ ساروا ، ولست أعلم أينا
--> ( 1 ) في ب : في زمان تفتح الأزهار وتفتح الأشجار ، وفي بعض النسخ : وتفتح الأزهار . ( 2 ) في ب : ممدودة سراية . ( 3 ) في الأصول وابن خلكان : أبو المظفر ؛ والصواب : أبو المطرّف . ( 4 ) وثلاثمائة سارية : غير موجودة في ه . ( 5 ) يومئذ : غير موجودة في ب . ( 6 ) في ب ، ه : ومن السوق والمستخلص . ( 7 ) المطمح ص 15 .